إمارة الشارقة قلعة الفنون والثقافة العربية والإسلامية
مهرجان الفنون الإسلامية نموذجا
إنما الأمم الفنون ما بقيت..
لا شك أن الفنون كانت وستضل دائما إحدى الدعامات التي تقوم عليها حضارت الأمم وشخصيتها، رغم ما يتردد بين الحين والآخر من أوهام عن انتهاء دور الفنون، واستنفادها لأسباب وجودها، ومضي عصر الفن.. إلى غير ذلك من الترهات. بينما الشعوب والأمم كانت ولا زالت تلود وتحتمي بفنونها للحفاظ على هويتها ووجودها؛ خصوصا في هذا العصر الذي أصبحت فيه آلية العولمة تعمل جاهدة على تنميط الحضارات المخالفة، بل ووضع الهويات المغايرة أمام خياران لا ثالث لهما: الإنصهار في بوثقة الحضارة الغربية المهيمنة والدوران في فلكها، أو مواجهة الإندثار الممنهج.
وقد علمنا التاريخ أن الأمم تبقى وتستمر وتزدهر، ببقاء واستمرار وازدهار فنونها، وتنتهي وتضمحل وتنقرض، بانتهاء واضمحلال وانقراض فنونها. ولنا في الدرسين: اليوناني الروماني، والقرطاجي الروماني أوضح مثال. فعندما استعمر الرومان اليونان قديما، أعجبوا بفنونهم فلم يستهدفوها؛ فكان أن استمرت تلك الفنون في ازدهارها وإشعاعها، وامتد تأثيرها حتى وصل إلى قلب روما نفسها؛ حتى قال قائلهم: إذا كان الرومان قد استعمروا اليونان عسكريا، فإن اليونان قد استعمروا الرومان فنيا! فكانت النتيجة أن بقيت الأمة اليونانية حية، واستمر الشعب الويوناني بفنونه وحضارته إلى يوم الناس هذا. وبالمقابل، وغير بعيد عن المنطقة، عندما انتهت أشواط الحروب البونيقية باتصار الرومان على القرطاجيين، وكان هدف الرومان استئصال واجتثات الوجود القرطاجي من المنطقة؛ استهدفوهم في فنونهم وثقافتهم. فماذا كانت النتيجة؟ كانت هي انتهاء وانقراض الوجود القرطاجي بانتهاء وانقراض فنون هذا الشعب وثقافته! وكم يطيب لي دائما في هذا الباب أن ستعير من الشاعر الكبير الراحل احمد شوقي بيته الشعري الشهير الذي يجري على ألسنة الجميع دائما والذي يقول:
إنما الأمـــم الأخــلاق ما بقيــــت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهــبوا
لأقول: إنما الأمم الفنون ما بقيت فإن هموا ذهبت فنونهم ذهبوا
حقيقة أدركها الإخوة في إمارة الشارقة مند وقت غير قصير، فكانت هذا العناية الفائقة بالفن والثقافة عموما.إذ لم يكن تبنيهم لقضية الفنون والثقافة العربية والإسلامية وليد الصدفة، أو فقط مراعاة للدور الهام الذي تلعبه لتلك الفنون في الرقي بالمجتمعات ورفع رتبتها في سلم الحضارة الإنسانية؛ ولكن وعيا بالدور الخطير لتلك الفنون في الحفاظ على هوية وكينونة ووجود المجتمعات، ودعم تماسكها، وتقوية مناعتها ومقاومتها لشتى عوامل الاستلاب والزوال… من هذا المنطلق بالذات كان تبني دائرة الثقافة والإعلام بإمارة الشارقة ـ مشكورة ـ لقضية الثقافة والفنون العربية والإسلامية. سواء الأصيلة منها أو الحديثة والمعاصرة؛ وكانت مجهوداتهم الجبارة للحفاظ على تلك الفنون العريقة، والعمل في نفس الوقت على تطويرها وجعلها تساير الركب الفني العالمي. وانطلاقا من تلك القناعات الراسخة، وسعيا لتحقيق تلك الأهداف النبيلة، أصبحت إمارة الشارقة الرائدة في هذا المجال، قبلة للعديد من المبادرات الفنية والثقافية الجادة والخلاقة؛ المتسمة بالإستمرارية والمتابرة، بفضل احتضانها من طرف إمارة الشارقة ورعايتها من أعلى مستوى. حيث بدأت النتائج الإيجابية لهذا الفعل الثقافي المشكور تلوح في الأفق على أكثر من صعيد. من تلك المبادرات الرائدة: مسابقة جائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي السنوية، التي تعتبر الوحيدة المتخصصة على صعيد العالم العربي. فقد باتت مناسبة مشهودة للتنافس والتباري، واللقاء والتلاقح بين ذوي الاختصاص، من النقاد والتشكيليين العرب من مختلف أرجاء المعمور. حيث تتوخى الدفع بعجلة النقد التشكيلي العربي إلى الأمام، والرقي بالمنتوج الفني عربيا، سواء على صعيد المنجز التشكيلي أو على مستوى التلقي الجمالي…
مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية:
الإستمرارية الناجحة دليل على الوعي العميق والإرادة القوية
كذلك من بين التظاهرات الفنية الرائدة التي أصبحت تقليدا فنيا محمودا يحسب للشارقة، مهرجان الفنون الإسلامية الذي أطفأ هذه السنة شمعته الرابعة عشرة. فقد أضحى بصدق تقليدا فنيا محمودا، كمناسبة عظيمة، وفرصة كبيرة لإحياء وتطوير فنوننا العريقة، والحث على التنقيب في مكنوناتها، وتشجيع الباحثين على سبر أغوارها، وإعادة الحياة لأروقتها. وقد شاهدت ذاك النجاح بأم




























